أبي منصور الماتريدي
206
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يأمل من اللذات الآجلة أنك ترى المرء قد يهون عليه الضرب في الأرض ، وقطع الأسفار ، وتحمل المؤن ، وركوب الأهوال والفظائع ، والانقطاع عن اللذات ؛ كالذي يخرج للتجارة من بلده إلى بلاد نائية ؛ لما يرجو من النفع والربح في ذلك ، فتحمل ما يمسه من المكاره والمؤن ، لما يطمع من نيل اللذات التي هي أعظم من اللذات التي تركها ؛ فعلى ذلك إذا تفكر في نعيم الآخرة ، وتفكر في عقابها ، سهل عليه ترك اللذات الحاضرة ، وخف عليه تحمل المكاره في الدنيا . ووجه آخر : أنه لما جبل على حب اللذات وبغض المكاره ، أمر أن يجعل ما يحبه من العاجل آجلا ، فيكون شغله أبدا فيما « 1 » يوصله إلى نعيم الآجل ، وأمر أن يجعل هربه عن الآلام الآجلة ، فيجتهد فيما فيه التخلص والنجاة عن تلك الآلام ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : إِلَّا الْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ معناه - والله أعلم - : لأن المصلين يقومون برياضة أنفسهم حتى يصرفوها عن خلقتها « 2 » التي أنشئت عليها « 3 » ، ثم بين أن الذين يقومون برياضة أنفسهم هم الذين يقومون على صلواتهم « 4 » دون الذين يقومون إلى الصلاة كسالى ولا يدومون عليها ، ولا ينفقون من أموالهم إلا عن كراهة . ثم قوله - عزّ وجل - : عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ دوامهم عليها في لزوم ما عرفوها ، وهو أن يقيموها في أوقاتها ، ويحافظوا عليها دون أن يكون دوامهم أن يكونوا فيها أبدا ؛ ألا ترى [ إلى ] « 5 » ما روي عن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل » وأراد بقوله : « أدومها » : لزومها في الوقت الذي أوجبوا فعل ذلك على أنفسهم ، لا أن يكونوا أبدا فيها ؛ لأنهم إذا بقوا فيها أبدا ، كثر ذلك منهم ، فلا يكون لقوله : « وإن قل » معنى ، فثبت أن معنى الدوام ما وصفنا ، والله أعلم . وجائز أن يكون المراد من المداومة هو أن يدوم على الأحوال التي تليق بالصلاة عند كونه فيها من الإقبال على المناجاة ، وترك الالتفات ، وتفريغ القلب عن الأشغال والوساوس . وقال بعضهم : عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ : هو التطوع ، و عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ [ المؤمنون : 5 ] : الفريضة .
--> ( 1 ) في ب : فما . ( 2 ) في ب : خلقها . ( 3 ) في ب : عليه . ( 4 ) في ب : صلاتهم . ( 5 ) سقط في ب .